مجد الدين ابن الأثير

310

المختار من مناقب الأخيار

وقال أبو بكر عبد العزيز : كنت مع أستاذي - يعني أبا بكر الخلّال - وأنا غلام مشتدّ ، فاجتمع جماعة يتذاكرون بعد عشاء الآخرة . فقال بعضهم لبعض : أليس مقبل - يعني رجلا أسود كان ناطورا بباب حرب - لنا مدّة ما رأيناه ؟ فقاموا يقصدونه . وقال لي أستاذي - يعني الخلال - لا تبرح ، احفظ الباب . فتركتهم حتى مضوا وأغلقت الباب وتبعتهم ، فلمّا بلغنا بعض الطريق ، قال أستاذي : هو ذا أرى وراءنا شخصا . فوقفوا ، فقالوا : من أنت ؟ فأمسكت فزعا من أستاذي . فقال أحدهم لأستاذي : باللّه عليك ، إلّا تركته . فتركني ، ومضيت معه . فدخلنا إلى قراح « 1 » فيه باذنجان مملوء ، والأسود قائم يصلي ، فسلّموا وجلسوا إلى أن سلّم ، وأخرج كيسا فيه كسر يابسة « 2 » ، وملح جريش ، وقال : بلّوا وكلوا . فأكلوا وتحدّثوا وأخذوا يذكرون كرامات الأولياء ، وهو ساكت ، فقال واحد من الجماعة : يا مقبل ، قد زرناك ، فما تحدّثنا بشيء ؟ فقال : أيّ شيء أنا ؟ وأيّ شيء عندي أحدّثك ؟ أنا أعرف رجلا لو سأل اللّه تعالى أن يجعل هذا القراح الباذنجان ذهبا « 3 » لفعل . فو اللّه ما استتمّ كلامه حتى رأينا القراح يتّقد ذهبا . فقال له أستاذي - يعني الخلال - : يا مقبل ، لأحد سبيل أن يأخذ من هذا القراح أصلا واحدا ؟ فقال له : خذ . وكان القراح مسقيّا ، فأخذ الأستاذ الأصل فقلعه بعروقه ، وجميع ما فيه ذهب . فوقعت من الأصل باذنجانة صغيرة وشيء من الورق ، فأخذته . وبقاياه معي إلى يومي هذا . قال : ثم صلّى ركعتين ، وسأل اللّه « * » تعالى أن يعيد القراح كما كان « * » « 4 » فعاد القراح

--> ( 1 ) في ( ب ) : « حتى دخلنا » . والقراح : في الأصل : الأرض لا ماء بها ولا شجر ولا بناء . معجم متن اللغة ( قرح ) . وتفيد هنا البستان . ( 2 ) في ( أ ) : كساء فيه كسر يابس . ( 3 ) في الأصل : « هذا القراح باذنجان ذهب » ، والمثبت من صفة الصفوة 2 / 508 . ( 4 ) ما بينهما ليس في ( أ ) . ( * ) ما بينهما ليس في ( أ ) .